محمد راغب الطباخ الحلبي

458

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

والعماد الطارمي وغيرهما ، ثم آل أمره إلى أن صار عند داود وزير السلطان إسكندر شاه سلطان دلي ( دهلي ) نحو سبع سنين يعلم فيها أولاده العلم ، وكان يمنعه من التردد إلى أحد إلا إلى بعض أساتذته لشدة حرصه عليه ومحبته له . وكانت له خزانة كتب نفيسة فدفع مفتاحها إليه وأبقاه عنده في عيش رغد ، إلا أنه كان مغصوبا في الإقامة عنده لما كان يكره من عشرة ذوي الشوكة وأرباب السياسة وإن كان في بدء أمره عسكريا ، ولم يزل عنده إلى أن احتال على مفارقته بطلب الحج وأوهمه أنه يحج ويرجع ، فخرج من عنده ومر في سفره بمدينة كجرات من بلاد الهند ، فاجتمع فيها بشيخ الإسلام الخطيب أبي الفضل ابن نور الهدى الكازروني الصديقي تلميذ الجلال الدواني ومحشّي تفسير البيضاوي وشارح « الإرشاد » في النحو « 1 » للقاضي شهاب الدين أحمد الهندي ، وهو التأليف العجيب الغريب الذي التزم مؤلفه فيه بإيراد النظير في ضمن التعبير نحو قوله : ونكرة مخصوصة تقع مبتدأ ، وأخفى نفسه عند اجتماعه به وطلب القراءة عليه في حاشية الشريف قدس اللّه سره على شرح الشمسية ، فأذن له ودفع إليه من حواشيه المنطقية شيئا يطالع ، فأخذ شيخنا في مناقشته المرة بعد المرة ، فلما عرف مقامه أقرأه في شرح المواقف ، وكان قد سمع به هناك العلامة السيد صفي الدين الإيجي والد « 2 » شيخنا القطب عيسى ، فقربه وأكرم مثواه ورتب له عشاء وغداء وخادما خاصا . ثم توجه إلى مكة فحج وجاور فيها ، ثم إلى بيت المقدس فدخل في طريقه مصر وأقام بالأزهر مدة يقرأ عليه فيها أقوام ، واجتمع فيها بشيخ الإسلام ناصر الدين اللقاني المالكي ، فكان كل منهما يعجبه كمال صاحبه . ثم قدم دمشق قبل وفاة قاضي القضاة ولي الدين ابن الفرفور فأكرم مثواه ورتب له في كل يوم خمسة عثمانية سوى ما عينه له من الحنطة والكسوة في كل عام ، واشتغل عليه بها جماعة . ثم قدم حلب فأنزلناه بمنزلنا ، ثم قطن المدرسة الشرفية وأقبل عليه الناس للقراءة ، فامتحنه بعض الحسدة في مسائل علمية أجاب عنها من غير رؤية نقل ولا روية . واقترح عليه آخرون « كشف الغطا عن مباحثة قصرت عن دركها الخطا » فكتب عليها ما كتب . وكنت أول من أخذ في القراءة عليه ، فقرأت عليه بجامع حلب الأموي

--> ( 1 ) في الأصل : إرشاد النحو . ( 2 ) في « در الحبب » : جد .